مشاهدة النسخة كاملة : الفقه على طريقة أهل الحديث
طالبة علم
16-07-2008, 04:21 AM
الفقه على طريقة أهل الحديث
قال الخطيب البغدادي في كتاب شرف أصحاب الحديث ( 8 ) : وقد جعل الله تعالى أهله ( أي أهل الحديث ) أركان الشريعة ، وهدم بهم كل بدعة شنيعة ، فهم أمناء الله من خليقته ، والواسطة بين النبي وأمته ، والمجتهدون في حفظ ملته ، أنوارهم زاهرة ، وفضائلهم سائرة ، وآياتهم باهرة ، ومذاهبهم ظاهرة ، وحججهم قاهرة ، وكل فئة تتخير إلى هوى ترجع إليه ، أو تستحسن رأيا تعكف عليه ، سوى أصحاب الحديث ، فإن الكتاب عدتهم ، والسنة حجتهم ، والرسول فئتهم ، وإليه نسبتهم ، لا يعرجون على الأهواء ، ولا يلتفتون إلى الآراء يقبل منهم ما رووا عن الرسول ، وهم المأمونون عليه ، حفظة الدين وخزنته ، وأوعية العلم وحملته ، وإذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع فما حكموا به فهو المقبول المسموع ، ومنهم كل عالم فقيه ، وإمام رفيع نبيه ، وزاهد في قبيلة ، ومخصوص بفضيلة ، وقارئ متقن ، وخطيب محسن ، وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم ، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر وهو على الإفصاح بغير مذاهبم لا يتجاسر ، من كادهم قصمه الله ، ومن عاندهم خذله الله ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا يفلح من اعتزلهم ، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير ، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير ، وإن الله على نصرهم لقدير .
وقال أيضا ( ص ـ 10 ) : فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين ، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين ، فشأنهم حفظ الآثار ، وقطع المفاوز والقفار ، في اقتباس ما شرع المصطفى ، لا يعرجون عنه إلى رأى ولا هوى ، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً ، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً ، حتى ثبَّتوا بذلك أصلها ، وكانوا أحق بها وأهلها . انتهى .
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ( 51 ) : فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته ، وتتبعوا مظانه ، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله وطلبهم لآثاره وأخباره براً وبحراً ، وشرقاً وغرباً ، يرحل الواحد منهم راجلاً مقوياً في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي فنبهوا على ذلك حتى نجم بعد أن كان عافياً ، وبسق بعد أن كان دارساً ، واجتمع بعد أن كان متفرقاً ، وانقاد للسنن من كان عنها معرضا ، وتنبه عليها من كان عنها غافلا . انتهى .
وقال ابن حبان في مقدمة صحيحه ( 1/34 ) بعد الثناء على الله عز وجل قال :
ثم اختار طائفة لصفوته ، وهداهم لزوم طاعته ، من اتباع سبل الأبرار ، في لزوم السنن والآثار ، فزين قلوبهم بالإيمان ، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه ، واتباع سنن نبيه ، بالدؤوب في الرحل والأسفار ، وفراق الأهل والأوطار ، في جمع السنن ، ورفض الأهواء ، والتفقه فيها بترك الآراء ، فتجرد القوم للحديث وطلبوه ورحلوا فيه وكتبوه ، وسألوا عنه وأحكموه ، وذاكروا به ونشروه ، وتفقهوا فيه ، وأصلوه ، وفرعوا عليه وبذلوه ، وبينوا المرسل من المتصل ، والموقوف من المنفصل ، والناسخ من المنسوخ ، والمحكم من المفسوخ ، والمفسر من المجمل ، والمستعمل من المهمل ، والعموم من الخصوص ، والدليل من المنصوص ، والمباح من المزجور ، والغريب من المشهور ، والعرض من الإرشاد ، والحتم من الإيعاد ، والعدول عن المجروحين ، والضعفاء من المتروكين ، وكيفية المعمول ، والكشف عن المجهول .. ، حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين ، فصانه على ثلب القادحين ، وجعلهم عند التنازع أئمة الهدى ، وفي النوازل مصابيح الدجى ، فهم ورثة الأنبياء ، ومأنس الأصفياء ، وملجأ الأتقياء ، ومركز الأولياء . انتهى .
وقال السمعاني كما في صون المنطق ( 165 ـ 167 ) : ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم ، قديمهم وحديثهم ، مع اختلاف بلدانهم ووزانهم ، وتباعد ما بينهم في الديار ، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار وجدتهم في بيان الإعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد ، ويجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ، ولا يميلون فيها ، قولهم في ذلك واحد ، وفعلهم واحد .. إلى أن قال : وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريقة النقل فأورثهم الإتفاق والائتلاف وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء ، فأورثهم الإفتراق والإختلاف . انتهى .
وقال اللكنوي في كتابه إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام ( 228 ) : ومن نظر بنظر الإنصاف وغاص في بحار الفقه والأصول ، متجنباً عن الإعتساف ، يعلم علما يقيناً أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها ، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم ، وإني كلما أسير في شعب الإختلاف أجد قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف فلله دّرُّهُم ، كيف لا وهم ورثة النبي حقاً ونُوَّاب شرعه صدقاً . انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 34/113 ) : موافقة أحمد للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما ، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما ، وكان يثني عليهما ويعظمهما ، ويرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما ، ومذهبه أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم ، والشافعي وإسحاق هما عنده من أجل فقهاء الحديث في عصرهما . انتهى .
وقال في كتاب علم الحديث ( 44 ) : بعض أئمة أهل الكلام تكلموا في أهل الحديث ، وذموهم بقلة الفهم ، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث ، ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه ، ويفتخرون عليهم بحذقهم ودقة فهمهم ، ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول ، وآثار مفتعلة ، وحكايات غير صحيحة ، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه ، ولكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية أهل الملل ، فكل شرٍّ في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر ، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم ، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم . انتهى .
وقال شيخ الإسلام أيضا كما في مجموع الفتاوى ( 4/91 ) : من المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم وهو بذلك أقوم ، كان أحق بالإختصاص به ، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم رسول الله وعلم خاصته مثل : الخلفاء الراشدين وسائر العشرة ، ومثل أبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وأبي ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، ومثل سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وغير هؤلاء ممن كان أخص الناس بالرسول ، وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك . انتهى .
وقال في نقض المنطق ( 42 ) : إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من القول إلى قول ، وجزما بالقول في موضع ، وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر ، وهذا دليل على عدم يقين .. ، وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك ، وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن ، وهذه حال الأنبياء ، وأتباعهم من المتقدمين ، وكسلف هذه الأمة والصحابة والتابعين ، وغيرهم من الأئمة ، ومن صبر من أهل الأهواء على قوله ، فذاك لما فيه من الحق ، إذ لا بد في كل بدعة عليها طائفة كبيرة من الناس أن يكون فيها من الحق الذي جاء به الرسول ويوافق عليه أهل السنة والحديث ما يوجب قبولها ، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال ، وبالجملة : فالثبات والإسقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة . انتهى .
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى ( 3/346 ) : إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية : أهل الحديث والسنة ، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله ، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها ، وأئمتهم فقهاء فيها ، وأهل معرفة بمعانيها ، واتباعا لها تصديقاً وعملاً وحباً وموالاةً لمن والاها ، ومعاداة لمن عاداها ، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به الكتاب والحكمة ، فلا ينصبون مقالة ، ويجعلونها من أصول دينهم ، وجمل كلامهم ، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه . انتهى .
طالبة علم
16-07-2008, 04:22 AM
على ماذا يبني أهل الحديث فقههم ؟
أهل الحديث يبنون فقههم على قواعد مأخوذة من الكتاب والسنة والصحيحة وعلى ما كان عليه السلف الصالح ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 10/362 ) : بعد أن أثنى على أهل الحديث : فلا ينصبون مقالة ، ويجعلونها من أصول دينهم ، وجمل كلامهم ، إن لم تكن تابعة فيما جاء به الرسول ، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه .
وقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف : ( 57 ) : ومن ذلك أعنى محدثات العلوم ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ، ورد فروع الفقه إليها سواء خالفت السنة أم وافقتها ، طرداً لتلك القواعد المتقررة ، وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلان يخالفهم غيرهم فيها ، وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام . انتهى .
وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 10/362 ) : فمن بنى الكلام في علم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة . انتهى .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 2/368 ) : أما أن نقعد قاعدة ونقول هذا هو الأصل ، ثم ترد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة ، فلعمر الله ، لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من ردَّ حديث واحد . انتهى .
طالبة علم
16-07-2008, 04:23 AM
التنبيه على المسائل الدخيلة في أصول الفقه
أول من صنف في أصول الفقه هو الإمام الشافعي في كتابه الرسالة وهو من أنفع الكتب وأحسنها فقد بنى كتابه على الأدلة الشرعية والآثار السلفية ، ثم كثرت التصانيف بعد ذلك ، وكانت أكثر الكتب الأصولية أصحابها من الأشاعرة أو من المعتزلة فأفسدوا علم أصول الفقه فأدخلوا فيه علم الكلام ، ومسائل لا ثمرة من ذكرها ، ومسائل لا تعلق لها بأصول الفقه ، وعقدوا العبارات وجعلوا اللغة هي الأصل ، فانصرف الناس عن دراسة أصول الفقه بسبب هذه الأمور والتعقيدات التي دخلت في مسائل الأصول ، قال العلامة طاهر الجزائري في كتاب توجيه النظر إلى أصول الأثر ( 237 ) : وقد وقع في كتب أصول الفقه مسائل كثيرة مبنية على مجرد الفرض وهي ليست داخلة فيه وكثيراً ما أوجب ذلك حيرة المطالع النبيه حيث يطلب لها أمثلة فيرجع بعد الجد والإجتهاد ولم يحظ بمثال واحد فينبغي الإنتباه لهذا الأمر ولما ذكره بعض العلماء وهو : أن كل مسألة تذكر في أصول الفقه ولا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أولا تكون عوناً في ذلك فهي غير داخلة في أصول الفقه ، وذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيداً له ، ومحققاً للإجتهاد فيه فإذا لم يفد ذلك لم يكن أصلا له ويخرج على هذا كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيه كمسائل ابتداء وضع اللغات ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا ؟ ومسألة أمر المعدوم ؟ وكذلك كل مسألة ينبني عليها فقه إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه مثل مسألة الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة كما في كفارة اليمين ، فقيل : إن الأمر بذلك يوجب واحداً منها لا بعينه وقيل إنه يوجب الكل ويسقط الكل بفعل واحد منها ، وقيل : إنه يوجب ما يختاره المكلف فإن فعل الكل فقيل الواجب أعلاها ، وإن تركها فقيل يعاقب على أدناه فهذه المسألة وما أشبهها من المسائل التي فرضوها مما لا ثمرة له في الفقه غير داخله في أصوله . انتهى .
وقال الشوكاني في منتهى الأرب في أدب الطلب ( 174 ) : ومن أسباب التعصب الحائلة بين من أصيب بها وبين المتمسك بالإنصاف : التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد . وكثيراً ما يقع ذلك في أصول الفقه فإنه قد اختلط فيها المعروف بالمنكر والصحيح بالفاسد والجيد بالرديء ، فربما يتكلم أهل هذا العلم على مسائل من مسائل الرأي ويحررونها ويقررونها ، وليست منه في شيء ولا تعلق لها به بوجه . فيأتي الطالب لهذا العلم إلى تلك المسائل فيعتقد أنها منه فير إليها المسائل الفروعية ، ويرجع إليها عند تعارض الأدلة . ويعمل بها في كثير من المباحث ، زاعماً أنها من أصول الفقه . ذاهلاً عن كونها من علم الرأي . ولو علم بذلك لم يقع فيه ولا ركن إليه . فيكون هذا وأمثاله قد وقعوا في التعصب وفارقوا مسلك الانصاف ، ورجعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعرون بشيء من ذلك ولا يفطنون به ، بل يعتقدون أنهم متشبثون بالحق متمسكون بالدليل واقفون على الانصاف خارجون عن التعصب . وقلَّ من يسلم من هذه الدقيقة وينجو من غبار هذه الأعاصير . بل هم أقل من القليل . وما أخطر ذلك وأعظم ضرره وأشد تأثيره وأكثر وقوعه وأسرع نفاقه على أهل الانصاف وأرباب الاجتهاد .
فإن قلتَ : إذا كان هذا السبب كما زعمت من الغموض والدقة ووقوع كثير من المنصفين فيه وهم لا يشعرون فما أحقه بالبيان وأولاه بالإيضاح وأجدره بالكشف حتى يتخلص عنه الواقعون فيه وينجوا منه المتهافتون إليه ؟
قلتُ : اعلم أن ما كان من أصول الفقه راجعاً إلى لغة العرب رجوعاً ظاهراً مكشوفاً كبناء العام على الخاص . وحمل المطلق على المقيد ورد المجمل إلى المبيَّن . وما يقتضيه الأمر والنهي ونحو هذه الأمور . فالواجب على المجتهد أن يبحث عن مواقع الألفاظ العربية . وموارد كلام أهلها وما كانوا عليه في مثل ذلك . فما وافقه فهو الأحق بالقبول والأولى بالرجوع إليه . فإذا اختلف أهل الأصول في شيء من هذه المباحث كان الحق بيد من هو أسعد بلغة العرب . هذا على فرض عدم وجود دليل شرعي يدل على ذلك . فإن وجد فهو المقدم( ) على كل شيء وإذا أردت الزيادة في البيان والكثير من الإيضاح بضرب من التمثيل وطرف من التصوير : فاعلم ، أنه قد وقع الخلاف في أنه هل يُبنى العام على الخاص مطلقاً أو مشروطاً بشرط أن يكون الخاص متأخراً . ووقع الخلاف في أنه هل يُحمل المطلق على المقيّد مع اختلاف السبب أم لا . ووقع الخلاف في معنى الأمر الحقيقي هل هو الوجوب أو غيره . ووقع الخلاف في معنى النهي الحقيقي هل هو التحريم أو غيره . فإذا أردت الوقوف على الحق في بحث من هذه الأبحاث ، فانظر في اللغة العربية واعمل على ما هو موافق لها مطابق لما كان عليه أهلها . واجتنب ما خالفها ، فإن وجدت ما يدل على ذلك من أدلة الشرع كما ستقف عليه في الأدلة الشرعية من كون الأمر يفيد الوجوب والنهي يفيد التحريم فالمسألة أصولية لكونها قاعدة كلية شرعية لكون دليلها شرعياً كما أن ما يستفاد من اللغة من القواعد الكلية أصولية لغوية . فهذه المباحث وما يشابهها من مسائل النسخ ومسائل المفهوم والمنطوق الراجعة إلى لغة العرب المستفادة منها على وجه يكون قاعدة كلية هي مسائل الأصول . والمرجع لها الذي يعرف به راجحها من مرجوحها هو العلم الذي هي مستفادة منه مأخوذة من موارده ومصادره . وأما مباحث القياس فغالبها من بحث الرأي الذي لا يرجع إلى شيء مما تقوم به الحجة ، وبيان ذلك أنهم جعلوا للعلة مسالك عشرة لا تقوم الحجة بشيء منها إلا ما كان راجعاً إلى الشرع . كمسلك النص على العلة . أو ما كان معلوماً من لغة العرب كالإلحاق بـمسك إلغاء الفارق . وكذلك قياس الأولى المسمى عند البعض بفحوى الخطاب . وأما المباحث التي يذكرها أهل الأصول في مقاصده كما فعلوه في مقصد الكتاب ومقصد السنة والإجماع . فما كان من تلك المباحث الكلية مستفاداً من أدلة الشرع فهو أصولي شرعي , وما كان مستفاداً من مباحث اللغة فهو أصولي لغوي . وما كان مستفاداً من غير هذين فهو من علم الرأي الذين كررنا عليك التحذير منه . ومن المقاصد المذكورة في الكتب الأصولية التي هي من محض الرأي الاستحسان والاستصحاب والتلازم .
وأما المباحث المتعلقة بالاجتهاد والتقليد وشرع من قبلنا والكلام على أقوال الصحابة ، فهي شرعية فما انتهض عليه دليل الشرع منها فهو حق . وما خالفه فباطل .
وأما المباحث المتعلقة بالترجيح ، فإن كان المرجح مستفاداً من الشرع فهو شرعي . وإن كان مستفاداً من علم من العلوم المدونة فالاعتبار بذلك العلم فإن كان له مدخل في الترجيح كعلم اللغة فإنه مقبول وإن كان لا مدخل له إلا لمجرد الدعوى كعلم الرأي فإنه مردود . انتهى
طالبة علم
16-07-2008, 04:24 AM
الـدلـيـل
القاعدة الأولى : الدليل هو الأصل الذي تبنى عليه القاعدة أو المسألة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 30/269 ) : قد ينص النبي نصاً يوجب قاعدة ويخفى النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة ، وينازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص ، مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنص ، والمضاربة ليس فيها نص وإنما فيها عمل الصحابة رضي الله عنه ، ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلاً بالنص ، ويفرعون عليه ، لا يتنازعون في الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه .انتهى.
القاعدة الثانية : الأحكام الشرعية تؤخذ من الحديث الصحيح ولا يجوز أخذها من الحديث الضعيف
لا يجوز في دين الله عز وجل أن يؤخذ فيه بحكم من الأحكام إلا من الحديث الصحيح ، وأما الحديث الضعيف فيطرح ولا يعمل به ، فقد ميَّز الله عز وجل هذه الأمة بالإسناد ، فالإسناد من قوام الدين فيجب العمل بالإسناد الصحيح ويترك الإسناد الضعيف ، ولا يشرع لأي مسلم أن يأخذ حكما من حديث ما حتى ينظر فيه أولاً : هل صح سند ذلك الحديث أم لا ؟ .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل ( كما في إعلام الموقعين 4/179 ) : سألت أبي عن الرجل يكون وعنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله والصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي عن الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به ؟ قال : لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح ، ويسأل عن ذلك أهل العلم . انتهى .
وقال الإمام مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز ( 218 ) : اعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة ، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم : السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصر من لدن نبينا إلى عصرنا هذا .
وقال ابن رجب في فضل علم السلف ( 57 ) : فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 1/250 ) : لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليسـت صحيحة ولا حسنه . انتهى .
وقال الأنصاري في فتح الباقي في شرح ألفية العراقي : من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلاً لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته ، وإلا فإن وجد أحداً من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده ، وإلا فلا يحتج به . انتهى .
القاعدة الثالثة : لا فرق في عدم جواز العمل بالحديث الضعيف بين أن يكون في فضائل الأعمال أو في غير فضائل الأعمال
الأحكام التكليفية لا يشرع القول بها إلا بدليل صحيح ، والاستحباب نوع من أنواع الحكم التكليفي ، وعليه فلا يشرع استحباب شيء إلا بدليل صحيح ، ففضائل الأعمال يجب إثباتها بالدليل الصحيح لأنها داخلة في الحكم التكليفي ألا وهو الاستحباب ، والسلف الصالح ما كانوا يفرقون بين الحديث الوارد في فضائل الأعمال والحديث الوارد في بقية أمور الدين ، ويوضح هذا أنهم تكلموا في التثبت في الأسانيد والتشديد في الأخذ بها والعمل بالصحيح منها ، وما كانوا يستثنون من ذلك الحديث الوارد في فضائل الأعمال ، ولا جاء عن أحد منهم في ذلك شيء قط ، فإن قيل قد جاء عن الإمام أحمد وبعض الأئمة أنهم قالوا : إذا روينا في الأحكام والحلال والحرام تشدَّدنا ، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب تساهلنا .
والجواب : أن المراد بهذا القول هو التساهل في الرواية وليس مشروعية العمل بذلك الضعيف في فضائل الأعمال ، قال المعلمي في الأنوار الكاشفة ( 87 ) : كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح ، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده ، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة ومنهم إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات ونحو ذلك لم يمتنع من روايته فهذا هو المراد بالتساهل في عبارتهم . انتهى .
وقد ذهب النووي إلى أن الحديث الضعيف في فضائل الأعمال يعمل به بالإجماع . وفي القول بالإجماع نظر ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه كما في مجموع الفتاوى ( 1/251 ) : وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي ، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب ، جاز أن يكون الثواب حقاً ، ولم يقل أحد من الأئمة : إنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع . انتهى .
وقال شيخ الإسلام أيضا كما في مجموع الفتاوى ( 18/65 ) : وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به ، فإن الاستحباب حكم شرعي ، فلا يثبت إلا بدليل شرعي ، ومن خبر عن الله أنه يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي ، فقد شرع في الدين مالم يأذن به الله ، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم ، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره ، بل هو أصل في الدين مشروع . انتهى .
وقال وقال ابن حجر في تبيين العجب ( 22 ) : لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل ، إذ الكل شرع . انتهى .
وللعلامة الألباني رحمه الله تعالى تفصيل طويل رائع في هذه المسألة في مقدمة صحيح الترغيب والترغيب فليرجع إليه .
القاعدة الرابعة : يجب فهم الدليل على ما فهمه السلف الصالح
السلف الصالح جاءت الأدلة بتزكيتهم واتباع طريقهم ، قال الله تعالى في كتابه الكريم : { والسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والذِينَ اتَّبَعُوهم بإحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهَارُ خَالِدينَ فيهَا أبَدًا ذَلكَ الفوْزُ العَظِيمُ } [ التوبة : 100 ] .
: وعن ابن مسعود أن النبي قال : (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) . أخرجه البخاري ( 6429 ) ومسلم ( 2535 )
فهم القدوة وهم الأسوة ، فيجب على كل مسلم اتباعهم فيما ذهبوا إليه من فهم أدلة الكتاب والسنة لأنهم أعلم الناس وأفهم الناس بدلالة النصوص الشرعية ، فإذا أخذ المسلم بغير فهمهم فإنه يضلُّ عن الصراط المستقيم ، لأنهم عن بصيرة وقفوا وبعلم ثاقب نظروا .
قال ابن أبي زيد القيرواني في الجامع ( 117 ) : التسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدفع بقياس ، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه ، وما عملوا به عملناه ، وما تركوه تركناه ، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا ، ونتبعهم فيما بينوا ، ونقتدي بهم فيما استنبطوا ورأوه من الحديث ، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو تأويله ، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث .
وقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف ( 72 ) : فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها ، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعهيم في معاني القرآن والحديث ، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام ، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك . انتهى .
وقال شيخ الإسلام في كتاب الإيمان ( 114 ) : وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل ( يعني الإيمان ) عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة ، وهذه طريقة أهل البدع ، ولهذا كان الإمام أحمد يقول : أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس ، ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم ، وما تأولوه من اللغة ، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ، فلا يعتمدون على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم ، إنما يعتمدون على العقل واللغة ، ونجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثور ، والحديث وآثار السلف .
وقال كما في مجموع الفتاوى ( 10/362 ) : فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله وأما ما جاء عمن بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلاً ، وإن كان صاحبه معذوراً ، بل مأجوراً لاجتهاد أو تقليد ، فمن بنى الكلام في علم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة السابقين فقد أصاب طريق النبوة وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة ، وهذه طريق أئمة الهدى ، تجد الإمام أحمد إذا ذكر أصول السنة قال : هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ، وكتب التفسير المأثور عن النبي والصحابة والتابعين ، وعلى ذلك يعتمد في أصوله العلمية وفروعه .. ، وكذلك في الزهد والرقائق والأحوال فإنه اعتمد في كتاب الزهد على المأثور على الأنبياء صلوات الله عليهم من آدم إلى محمد ثم على طريق الصحابة والتابعين ولم يذكر من بعدهم . انتهى .
القاعدة الخامسة : يجب الأخذ بظاهر الدليل وعدم تأويله
أهل الحديث وسط بين الذين بالغوا في الأخذ بالظاهر ولم يلتفتوا إلى معاني الأدلة وبين الذين فرطوا في الأخذ بالظاهر ، فردوا ظاهر الدليل بأدنى شيء أو أولوا الحديث حتى يوفقوا بين الحديث وبين قول إمامهم ، فأهل الحديث يمشون على ظاهر الدليل .
ولا يأولونه ويخرجونه عن ظاهره إلا بدليل يدل على صحة ذلك التأويل ، ولهذا كان السلف يقولون : أمروها كما جاءت .
وهذا وإن كان ورد في باب الأسماء والصفات ، لكن مما لا شك فيه أن جميع الأحكام الشرعية على منوال واحد وطريقة سوية ، ولذلك ما كان السلف يؤولون الأحاديث الواردة في الأحكام ، بل كانوا يجرونها على ظاهرها .
فمثلاً : قد ثبت عن النبي أنه قال لـمَّا سئل عن الوضوء من لحوم الإبل : ( توضئوا منها ) .
أخرجه مسلم ( 360 ) وأبو داود ( 184 ) والترمذي ( 81 ) .
فالوضوء يطلق على غسل اليدين فقط ويطلق أيضا على الوضوء المعروف في الشرع ، وظاهر الحديث أن المراد هو الوضوء المعروف في الشرع ، وقد مشى الصحابة على هذا الظاهر فقد كانوا يتوضؤون من لحوم الإبل الوضوء الشرعي المعروف ولم يكونوا يأولونه بغسل اليدين فقط .
قال الخطيب في الفقه والمتفقه ( 1/222 ) : ويجب أن يحمل حديث رسول الله على عمومه وظاهره إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير ذلك فيعدل إلى ما دل الدليل عليه ، قال الشافعي : ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يحتمل عدداً من المعاني فلا يكون لأحد ذهب إلى معنى منها حجة على أحد ذهب إلى معنى غيره ، ولكن الحق فيها واحد إنما هو على ظاهرها وعمومها إلا بدلالة عن رسول الله . انتهى .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 3/108 ) : الواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله ، وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره ، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب ، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك . انتهى .
وقال الشنقيطي في أضواء البيان ( 7/438 ) : التحقيق الذي لا شك فيه ، وهو الذي عليه أصحاب رسول الله ، وعامة المسلمين : أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسوله في حال من الأحوال بوجه من الوجوه حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح . انتهى .
طالبة علم
16-07-2008, 04:26 AM
أفـعــال الرسـول صلى الله عليه وسلم
القاعدة الأولى : الخصوصية لا تثبت إلا بدليل
الأصل في أفعال النبي أنها تشريع لجميع الأمة ، وليست خاصة به ، حتى يقوم الدليل الدال على أنها خاصة به ، لا بـمجرد الاحتمال ، لقوله تعالى : { لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ( الأحزاب :16 ) .
قال ابن القيم في زاد المعاد ( 307 ) : الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصه الدليل .
وقال ابن حزم في الإحكام ( 1/469 ) : لا يحل لأحد أن يقول في شيء فعله عليه السلام إنه خصوص له إلا بنص . انتهى .
القاعدة الثانية : لا يشرع المداومة على ما لم يداوم عليه
النبي من العبادات
الأصل في العبادات المنع ، فما لم يداوم عليه النبي من العبادات لا يشرع المداومة عليه ، كعدم مداومته على فعل النوافل جماعة ، وإنما فعل ذلك أحيانا كما في حديث أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت النبي لطعام صنعته له ، فأكل منه ثم قال : (( قوموا فلأصل لكم )) قال أنس : فقام رسول الله وصففت واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا ، فصلى رسول الله ركعتين ثم انصرف .
أخرجه البخاري ( 380 ) ومسلم ( 658 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية ( 81 ) : والإجماع على أن صلاة النفل أحياناً مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة وكذا إذا كان لمصلحة مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده ، فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة ، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحة راجحة . انتهى .
القاعدة الثالثة : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حجة
ما فعل بحضرة النبي وأقره يعتبر حجة ، لأن النبي لا يؤخر البيان عن وقته ، قال البخاري في صحيحه ( 7355 ) : باب من رأى ترك النكير من النبي حجة لا من غير الرسول .. ثم أخرج بإسناده إلى محمد بن المنكدر قال : رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد الرجال قلت : تحلف بالله ؟ قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي فلم ينكره النبي .
فهذا الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يفهمون بأن إقرار النبي لشيء صنع أمامه يعتبر حجة .
القاعدة الرابعة : ما وقع في زمن النبي يعتبر حجة وإن لم
يكن اطلع النبي عليه
عن جابر بن عبد الله قال : كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل . أخرجه البخاري ( 5209 ) .
قال الحافظ في الفتح ( 9/216 ) : أراد بنزول القرآن أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يُوحى إلى النبي ، فكأنه يقول : فعلناه في زمن التشريع ولو كان حراماً لم نقر عليه ، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر : " كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي ، فلما مات النبي تكلمنا وانبسطنا " . أخرجه البخاري . انتهى .
القاعدة الخامسة : الفعل المجرد لا يدل على الوجوب
الأصل في أفعال النبي أنها ليست على الوجوب ، إلا إذا كانت بيانا لواجب من الواجبات ، فتصير تلك الصفة للفعل الوارد واجبة لأنها جاءت مبينة لكيفية الواجب ، قال ابن حزم في الإحكام ( 1/458 ) : ليس شيء من أفعاله عليه السلام واجباً وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به عليه السلام فيها فقط ، وألا نتركها على معنى الرغبة عنها ، ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما إن فعلناه أجرنا ، وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر ، إلا ما كان من أفعاله بيانا لأمر أو تنفيذاً لحكم فهي حينئذ فرض ، لأن الأمر قد تقدمها فهي تفسير الأمر ، وهذا القول الصحيح الذي لا يجوز غيره .. ثم قال ( ص : 465 ) : وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله عليه السلام على الاستنان به بقوله تعالى : { لقَدْ كانَ لكُمْ فيِ رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنةٌ } ( الأحزاب :16 ) وما كان لنا فهو إباحة فقط ، لأن لفظ الإيجاب إنما هو ( علينا ) لا ( لنا ) نقول : عليك أن تصلي الخمس وتصوم رمضان ، ولك أن تصوم عاشوراء ، هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه .. ثم قال ( ص : 467 ) : فأما ما كان من أفعاله عليه السلام تنفيذاً لأمر فهو واجب فمن ذلك قوله عليه السـلام : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) و (( خذوا عني مناسككم )) . انتهى .
القاعدة السادسة : ما أصله مباح وتركه النبي لا يدل تركه
له على أنه واجب علينا تركه
الشيء الذي أصله مباح وتركه النبي لا يدل على أن ذلك الشيء يجب علينا تركه لحديث أبي هريرة أن النبي قال : (( ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم )) . أخرجه البخاري ( 7288 ) ومسلم ( 1337 ) .
قال علي ابن حزم : فهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة ، فلم يوجب رسول الله على أحد إلا ما استطاع مما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه فقط ، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال أمرتكم بما فعلت وأسقط عليه السلام ما عدا ذلك في أمره ، بتركه ما تركهم حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط .
وقال أبو شامة في المحقق ( 97 ) : وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي ، وأنه ما لم آمركم وأنهاكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر ، (( فذروني ما تركتكم )) . انتهى .
فإن قيل : إن الصحابة تركوا أكل الضب لما ترك النبي أكله حتَّى بيَّن لهم أنه يعافه ، فدل هذا على وجوب ترك ما تركه النبي لأنهم تركوا ما تركه النبي .
فالجواب : أن ذلك كان وقت تشريع ، فظن الصحابة أن تركه لأكل الضب هو من باب التشريع حتى بين لهم أن تركه لأكل الضب ليس من باب التشريع فأكلوه .
القاعدة السابعة : الأصل أن ما همَّ به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فإنه لا يكون حجة
قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 65 ) : ما همَّ به النبي ولم يفعله كما وري عنه بأنه هم بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة .. ، والحق أنه ليس من أقسام السنة لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تنجيز له وليس ذلك مما آتانا الرسول ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه وقد يكون إخباره بما هم به للزجر كما صح عنه أنه قال : (( لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم )) . انتهى .
قلت : وإنما ينظر إلى الفعل الذي همَّ به النبي على القرائن المحتف بذلك الفعل ثُمَّ يُحكم عليه بسبب تلك القرائن بالحكم المناسب له
طالبة علم
16-07-2008, 04:27 AM
إذا تعارض القول مع الفعل
إذا تعارض القول مع الفعل ولم يمكن
الجمع بينهما فإن القول مقدم على الفعل
إذا تعارض القول مع الفعل فإن الجمع بينهما هو الأولى ، قال العلائي في تفصيل الإجمال ( 108 ) : الجمع بين القول والفعل على بعض الوجوه الممكنة ، وهي التي يسلكها المحققون في أفراد الأمثلة عن الكلام على بعض منها ، ولا شك في أن هذا أولى من تقديم أحدهما على الآخر ، وإبطال مقتضى الآخر ، ومن الوقف أيضا لأنا متعبدون بمضمون القول وباتباعه فيما فعله ، فما يجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ولا وجه للوقف مع التعبد . انتهى .
فإن لم يمكن الجمع بينهما فإن القول هو المقدم ، قال العلائي في تفصيل الإجمال ( 105 ) :
والحجة لتقديم القول وجوه : أنه يدل بنفسه من غير واسطة والفعل لا يدل إلا بواسطة ( أي في إفادته البيان ) فكان القول أقوى .
وأن تقديم الفعل يفضي إلى إبطال مقتضي القول بالكلية والعمل بالقول ، وتقديمه لا يؤدي إلى ذلك ، بل يحمل الفعل على أنه خاص بالنبي ، والجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما بالكلية .
الفعل الوارد بصيغة ( كان ) الأصل فيه أنه للتكرار
ما ورد عن النبي من الأفعال بصيغة ( كان ) فإنه يدل على تكرار ذلك الفعل إلا أن تأتي قرينة تدل على أنه ليس المقصود التكرار وإنما المقصود حصول الفعل في الزمن الماضي فحينئذ لا تحمل كان على التكرار وإلا الأصل أنها تكون للتكرار كما في حديث أم المؤمنين عائشة قالت : كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوئه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده .
أخرجه البخاري ( 272 ) ومسلم ( 316 ) .
قال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام ( 1/91 ) : ( كان يفعل كذا ) بمعنى أنه تكرر من فعله وكان عادته كما يقال : كان فلان يعين الضعيف و ( كان رسول الله أجود الناس بالخير ) وقد تستعمل كان لإفادة مجرد الفعل ووقوع الفعل دون الدلالة على التكرار والأول أكثر في الاستعمال ، وعليه ينبغي حمل الحديث .
طالبة علم
16-07-2008, 04:28 AM
قـول الصـحـــابي
: قول الصحابي فيما لا نص فيه يعتبر حجة
إذا لم يخالفه غيره
قول الصحابي يكون حجة ولو لم يشتهر بشرط أن لا يخالفه غيره وليس المراد بأن ( قول الصحابي حجة ) هو أنه حجة بذاته كالكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما ، وإنما ( قول الصحابي حجة ) لما احتف بقوله من أدلة وقرائن تدل على حجية قوله ، فهو حجة بالغير ، وعليه فلا يحتج محتج بقوله (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنتي )) . أخرجه الحاكم ( 1/93 ) وصححه الألباني في الصحيحة ( 1761 ) .
فيقول : لم يذكر في الحديث قول الصحابي ، ولو كان حجة لذكر في الحديث ، والجواب : أنه لم يذكر الإجماع والقياس أيضاً مع أنهما من الحجج الشرعية وذلك لأن الإجماع والقياس حجة بالغير لا بالذات ، وكذلك قول الصحابي ، بخلاف الكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما .
والقول بأن قول الصحابي حجة هو قول الأئمة الأربعة ، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 20/14 ) : وإن قال بعضهم قولاً ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع ، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه ، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع ، ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم . انتهى .
وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين ( 4/104 ، 136 ) لحجية قول الصحابي ستا وأربعين وجهاً ، فمن تلك الأوجه أن الله تعالى قال في كتابه: { والسِّابِقونَ الأوَّلُونَ مِنَ المهَاجِرينَ والأنْصَارِ والذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَضِي الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } ( التوبة : 100 ) .
فحصول الرضوان حاصل لكل واحد منهم ، فاقتضت الآية الثناء على من اتبع كل واحد منهم فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صح عليه أنه اتبع السابقين .
ومن تلك الأوجه أيضا : أنهم هم الأئمة الصادقون وكل صادق بعدهم فيهم يؤثم في صدقه بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم .
ومن تلك الأوجه : أنهم خير القرون مطلقاً فلو جاز أن يخطيء الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطئوا هُمْ لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه ، لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة فيا سبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم رضي الله عنهم قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة أخطأ في ذلك ، ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى جاء من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة سبحانك هذا بهتان عظيم .
ومن تلك الأوجه : أن النبي أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين .
ومن تلك الأوجه : أن النبي دعا لابن عباس أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل ومن المستبعد جداً بل من الممتنع أن يفتى ابن عباس بفتوى ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على الخطأ ، ويفتي واحد من المتأخرين بخلاف فتواه ويكون الصواب معه ويحرمه ابن عباس .
ومن تلك الأوجه : أن الصحابي إذا قال قولاً فله مدارك ينفرد بها منها : أن يكون سمعها من النبي .
( الثـاني ) أن يكون سمعها ممن سمعها منه .
( الثالث ) أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فِهْماً خفي علينا .
( الرابع ) أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده .
( الخامس ) أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ الذي انفرد به عنا ، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب ، أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمن من رؤية النبي ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته والعلم بمقاصده فتكون فتواه حجة .
ومن تلك الأوجه : أن الأرض لا تخلوا من قائم لله بحجة فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم .
ومن تلك الأوجه : أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بفتاواهم وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم وتصانيف العلماء شاهدة على ذلك .. ، فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ولم تجد فيها قط ـ ليس قول أبي بكر وعمر حجة ـ ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله وفتاويهم .
فإن قيل : لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ ولكان معصوماً فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة من قسم الصواب . قيل : الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة وهو أن من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به فهذا هو المحال وبهذا خرج الجواب عن قولكم لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن . انتهى ما ذكره ابن القيم ملخصا
طالبة علم
16-07-2008, 04:29 AM
إذا اختلف الصحابة في مسألة
إذا اختلف الصحابة في مسألة ما على قولين فإن القول الذي فيه أحد الخلفاء الراشدين
أرجح من القول الآخر
عن ابن عمر أن الربيِّع اختلعت من زوجها فأتى عمها عثمان فقال تعتد بحيضة وكان ابن عمر يقول تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان ، فكان يفتي به ويقول : خيرنا وأعلمنا .
أخرجه ابن أبي شيبة ( 18462 ) .
وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال : سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به ، وإذا لم يكن في كتاب الله وقال به رسول الله قال به ، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله وقاله أبو بكر وعمر قال به وإلا اجتهد رأيه . أخرجه البيهقي ( 10/115 ) .
قال الشافعي كما في البحر المحيط ( 8/58 ) : فإن لم يكن على قول أحدهم دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ أحب إلي من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم وحكاية . انتهى .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 4/103 ) : إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين فيه قولان للعلماء ، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر ، فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب ، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب ، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبو بكر ، وعمر أقرب إلى الصواب ، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر ، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم .
طالبة علم
16-07-2008, 04:29 AM
الصحابي أدرى بمرويه
الصحابي أدرى بمرويه من غيره
إذا روى الصحابي حديثاً وفسره ذلك الصحابي أو حمله على معنى معين من المعاني فإنه ينبغي الوقوف على ما ذهب إليه الصحابي من معنى ذلك الحديث لأنه هو راوي الحديث ، والراوي أدرى بمرويه من غيره .
وإذا اختلف صحابيان وكان أحدهما راوياً للحديث فإنه يقدم قوله على الصحابي الآخر ، لأن الصحابي الذي روى الحديث أدرى بما رواه من الصحابي الآخر .
قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/190 ) : وأما تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر يكون حجة في تفسير الخبر كالذي رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا ، وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى ، لأنه قد شاهد من خطاب الرسول ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله
إذا خالف الصحابي ما رواه فالعبرة بما
رواه لا بما رآه
الصحابي لا يخالف ما رواه عن عمد ، وإنما يخالف ما رواه لأمر كنسيان ونحو ذلك فإذا خالف ما رواه فإنه يطرح رأيه وتؤخذ روايته ، لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله ، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه ( 1/141 ، 143 ) : إذا روى الصحابي عن رسول الله حديثا ثم روي عن ذلك الصحابي خلافا لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته ، وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه ، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي لا قبول رأيه .. ولأنه لا يحل لأحد أن يظن بالصاحب أن يكون عنده نسخ لما روى ، أو تخصيص فيسكت عنه فيبلغ إلينا المنسوخ والمخصوص دون البيان ، لأن الله تعالى يقول : { إنَّ الذينَ يكْتمُونَ ما أنْزَلْنَا مِنَ البيَّناتِ والهُدَى مِنْ بَعدِ مَا بينَّهُ للنَّاسِ في الكِتَابِ أولئكَ يَلْعنهُمُ الله ويَلعَنهم الَّلاعِنُون } [ البقرة : 159 ] وقد نزه الله صحابة نبيه عن هذا .
مستغفرة
16-07-2008, 05:17 AM
بارك الله فى مجهودكم
وجزاكى الله خيرا
الرميساء
16-07-2008, 05:23 AM
ما شاء الله
موضوع طيب
بارك الله فى عمرك وجزيت خيرا
طالبة علم
18-07-2008, 04:20 AM
جزاكى الله خيرا على مشاركتكم الطيبه
حامل المسك
18-07-2008, 09:26 PM
جزاكم الله خيرا ونفع الله بكم بهذه الموسوعة الرائعة
أحسن الله إليكم
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir