العارف بالله
24-05-2008, 09:51 AM
معاذ بن جبل
ابن عمرو ، السيد الإمام أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدنيّ البدريّ
قال الواقديّ : كان طوالاً حسن الشعر والثغر براق الثنايا ، لم يولد له ، وقال غيره : بل له ولد ، وهو عبد الرحمن ، شهد معه اليرموك
عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبابع الأنصار بيعة العقبة الثانية. كان يجلس بين السبعين الذين يتكوّن منهم وفدهم، شاب مشرق الوجه، رائع النظرة، برّاق الثنايا.. يبهر الأبصار بهوئه وسمته. فاذا تحدّث ازدادت الأبصار انبهارا..!!
ذلك كان معاذ بن جبل رضي الله عنه.. هو اذن رجل من الأنصار، بايع يوم العقبة الثانية، فصار من السابقين الأولين. رجل له مثل اسبقيته، ومثل ايمانه ويقينه، لا يتخلف عن رسول الله في مشهد ولا في غزاة. وهكذا صنع معاذ..
على أن آلق مزاياه، وأعظم خصائصه، كان فقهه..
بلغ من الفقه والعلم المدى الذي جعله أهلا لقول الرسول عنه ما ذكرة عبد اللهبنعمرو فقال: ذاك رجل لا أزال أحبه، بعد ما سمعت رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد اللهبنمسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي ابنكعب، ومعاذبنجبل).صحيح برواية البخاريقال: لا أدريبدأ بأبي أو بمعاذ
وعندما سُئِلَ أنسبنمالك رضيالله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم منالأنصار: أبيبنكعب، ومعاذابنجبل، وزيدبنثابت،وأبو زيد.
وكان شبيه عمر بن الخطاب في استنارة عقله، وشجاعة ذكائه. سأله الرسول حين وجهه الى اليمن:
" بما تقضي يا معاذ؟"
فأجابه قائلا: " بكتاب الله"..
قال الرسول: " فان لم تجد في كتاب الله"..؟
"أقضي بسنة رسوله"..
قال الرسول: " فان لم تجد في سنة رسوله"..؟
قال معاذ:" أجتهد رأيي، ولا آلوا"..
فتهلل وجه الرسول وقال:" الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
فولاء معاذ لكتاب الله، ولسنة رسوله لا يحجب عقله عن متابعة رؤاه، ولا يحجب عن عقله تلك الحقائق الهائلة المتسرّة، التي تنتظر من يكتشفها ويواجهها.
وعن عاصم بن حميد السكوني أن معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج يوصيه ، ومعاذ راكب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته ، فلما فرغ قال : ( يا معاذ ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري ) ، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا تبك يا معاذ ، أو أن البكاء من الشيطان ) .
وعن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه ومعاذاً إلى اليمن ، قال لهما : ( يسرا ولا تعسرا ، وتطاوعا ولا تنفرا ) ، فقال له أبو موسى : إن لنا بأرضنا شراباً ، يصنع من العسل يقال له : البِتع ، ومن الشعير يقال له : المِزر ، قال : ( كل مسكر حرام ) المُسند الصحيح بتخريج الإمام مُسلم ، فقال لي معاذ : كيف تقرأ القرآن ؟ قلت : أقرأه في صلاتي ، وعلى راحلتي ، وقائماً وقاعداً ، أتفوق تفوقاً ، يعني شيئاً بعد شيء ، قال : فقال معاذ : لكني أنام ثم أقوم ، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ، قال : وكأن معاذاً فضل عليه
ولعل هذه القدرة على الاجتهاد، والشجاعة في استعمال الذكاء والعقل، هما اللتان مكنتا معاذا من ثرائه الفقهي الذي فاق به أقرانه واخوانه، صار كما وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام " أعلم الناس بالحلال والحرام" صححه العلامه الألباني في السلسله الصحيحه.
بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كعب بن مالك يقول يحزنني أني لا أرى لي أسوة. إلا رجلامغموصا عليه في النفاق. أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلىالله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال، وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعببنمالك؟" قال رجل منبني سلمة: يا رسول الله! حبسه براده والنظر في عطفيه. فقال لهمعاذبنجبل: بئس ما قلت. والله! يا رسول الله! ما علمناعليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال صلي الله عليه وسلم" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، و أشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، و أقرؤهم لكتاب الله أبيبنكعب، و أفرضهم زيدبنثابت، و أعلمهم بالحلال والحراممعاذبنجبل، ألا و إن لكل أمة أمينا، و إن أمين هذه الأمةأبو عبيدةبنالجراح".صححه العلامه الألباني علي شرط الشيخان في السلسله الصحيحه
قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم يوماً يامعاذبنجبل ! . قال: لبيكيا رسول الله وسعديك (ثلاثا) . قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدارسول الله صدقا من قلبه ؛ إلا حرمه الله على النار . قال: يا رسول الله ! أفلا أخبربه الناس فيستبشروا ؟ قال: إذا يتكلوا . وأخبر بهامعاذعند موته تأثماصححه العلامه الألباني في صحيح الترغيب.
لقيه الرسول ذات صباح فسأله:"كيف أصبحت يامعاذ"..؟؟
قال:" أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله".
قال النبي::ان لكل حق حقيقة، فما حقيقة ايمانك"..؟؟
قال معاذ:" ما أصبحت قط، الا ظننت أني لا أمسي.. ولا أمسيت مساء الا ظننت أني لا أصبح.. ولا خطوت خطوة الا ظننت أني لا أتبعها غيرها..وكأني أنظر الى كل امة جاثية تدعى الى كتابها..وكأني أرى أهل الجنة في الجنة ينعمون..وأهل النار في النار يعذبون.."
فقال له الرسول:" عرفت فالزم" صححه العلامه الألباني بروايه الإمام مُسلم..أجل لقد أسلم معاذ كل نفسه وكل مصيره لله، فلم يعد يبصر شيئا سواه..
وعن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة،نعم الرجل أسيدبنحضير، نعم الرجل ثابتبنقيسبنشماس، نعمالرجلمعاذابنعمروبنالجموح، نعم الرجلمعاذبنجبلقال: و بئس الرجل فلان و بئس الرجل فلان حتى عدسبعة )صححه العلامه الألباني في صحيح الأدب .
وعن معاذ قال : لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا معاذ ! إني لأحبك في الله ) قلت : وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله ، قال : ( أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة : رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) .
وعن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين :( عمر وعثمان وعلي ، وثلاثة من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ وزيد ) .
وروى موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال : خطب عمر الناس بالجابية فقال : من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل, وقال عمر : إن معاذاً يبعث أمام العلماء بربوة.
وان الروايات التاريخية لتصوره العقل المضيء الحازم الذي يحسن الفصل في الأمور..
فهذا عائذ الله بن عبدالله يحدثنا انه دخل المسجد يوما مع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في أول خلافة عمر..قال " فجلست مجلسا فيه بضع وثلاثون، كلهم يذكرون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحلقة شاب شديد الأدمة، حلو المنطق، وضيء، وهو أشبّ القوم سنا، فاذا اشتبه عليهم من الحديث شيء ردّوه اليه فأفتاهم، ولا يحدثهم الا حين يسألونه، ولما قضي مجلسهم دنوت منه وسالته: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا معاذ بن جبل".
وعن أبي قلابة وغيره أن فلاناً مر به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أوصوني ، فجعلوا يوصونه ، وكان معاذ بن جبل في آخر القوم ، فقال : أوصني يرحمك الله ، قال : قد أوصوك فلم يألوا ، وإن سأجمع لك أمرك : اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر ، فابدأ بنصيبك من الآخرة ، فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه ، ثم يزول معك أينما زلت .
وهذا أبو مسلم الخولاني يقول " دخلت مسجد حمص فاذا جماعة من الكهول يتوسطهم شاب برّاق الثنايا، صامت لا يتكلم.ز فاذا امترى القوم في شيء توجهوا اليه يسألونه.ز فقلت لجليس لي: من هذا..؟ قال: معاذ بن جبل.. فوقع في نفسي حبه".
وهذا شهر بن حوشب يقول " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل، نظروا اليه هيبة له"..
ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يستثيره كثيرا.. وكان يقول في بعض المواطن التي يستعين بها برأي معاذ وفقهه " لولا معاذ بن جبل لهلك عكر"..
فاذا تكلم، كان كما وصفه أحد معاصريه " كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ"..
ولقد بلغ كل هذه المنزلة في علمه، وفي اجلال المسلمين له، أيام الرسول وبعد مماته.
وكان معاذ سمح اليد، والنفس، والخلق..فلا يسأل عن شيء الا أعطاه جزلان مغتبطا..ولقد ذهب جوده وسخاؤه بكل ماله.
ومات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعاذ باليمن منذ وجهه النبي اليها يعلم المسلمين ويفقههم في الدين..وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ من اليمن، وكان عمر قد علم أن معاذا أثرى.. فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله..!
ولم ينتظر عمر، بل نهض مسرعا الى دار معاذ وألقى عليه مقالته..
كان معاذ ظاهر الكف، طاهر الذمة، ولئن كان قد أثري، فانه لم يكتسب اثما، ولم يقترف شبهة، ومن ثم فقد رفض عرض عمر، وناقشه رأيه..وتركه عمر وانصرف..
وفي الغداة، كان معاذ يطوي الأرض حثيثا شطر دار عمر.. ولا يكاد يلقاه.. حتى يعنقه ودموعه تسبق كلماته وتقول " لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حومة ماء، أخشى على نفسي الغرق.. حتى جئت وخلصتني يا عمر"..
وذهبا معا الى أبي بكر.. وطلب اليه معاذ أن يشاطره ماله، فقال أبو بكر:" لا آخذ منك شيئا"..
فنظر عمر الى معاذ وقال:" الآن حلّ وطاب"..
ما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحدا، لو علم أنه أخذه بغير حق.. وما كان عمر متجنيا على معاذ بتهمة أو ظن..وانما هو عصر المثل كان يزخر بقوم يتسابقون الى ذرى الكمال الميسور، فمنهم الطائر المحلق، ومنهم المهرول، ومنهم المقتصد.. ولكنهم جميعا في قافلة الخير سائرون.
ويهاجر معاذ الى الشام، حيث يعيش بين أهلها والوافدين عليها معلما وفقيها، فاذا مات أميرها أبو عبيدة الذي كان الصديق الحميم لمعاذ، استخلفه أمير المؤمنين عمر على الشام، ولا يمضي عليه في الامارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه مخبتا منيبا..
وكان عمر رضي الله عنه يقول " لو استخلفت معاذ بن جبل، فسألني ربي: لماذا استخلفته؟ لقلت: سمعن نبيك يقول: ان العلماء اذا حضروا ربهم عز وجل ، كان معاذ بين أيديهم"..
والاستخلاف الذي يعنيه عمر هنا، هو الاستخلاف على المسلمين جميعا، لا على بلد أو ولاية..
فلقد سئل عمر قبل موته: لو عهدت الينا..؟ أي اختر خليفتك بنفسك وبايعناك عليه..
لإاجاب قائلا " لو كان معاذ بن جبل حيا، ووليته ثم قدمت على ربي عز وجل، فسألني: من ولّيت على أمة محمد، لقلت: ولّيت عليهم معاذ بن جبل، بعد أن سمعت النبي يقول: معاذ بن جبل امام العلماء يوم القيامة".
ولقد أجاد ابن مسعود وصفه حين قال:"ان معاذا كان أمّة، قانتا لله حنيفا، ولقد كنا نشبّه معاذا بابراهيم عليه السلام"..
وكان يدعو الناس الى التماس العلم الصحيح النافع ويقول:
" احذروا زيغ الحكيم.. وارفوا الحق بالحق، فان الحق نورا"..!!
وكان يرى العبادة قصدا، وعدلا..قال له يوما أحد المسلمين: علمني.
قال معاذ: وهل أنت مطيعي اذا علمتك..؟
قال الرجل: اني على طاعتك لحريص..
فقال له معاذ:" صم وافطر..وصلّ ونم..واكتسب ولا تأثم.ولا تموتنّ الا مسلما..واياك ودعوة المظلوم"..
ابن عمرو ، السيد الإمام أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدنيّ البدريّ
قال الواقديّ : كان طوالاً حسن الشعر والثغر براق الثنايا ، لم يولد له ، وقال غيره : بل له ولد ، وهو عبد الرحمن ، شهد معه اليرموك
عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبابع الأنصار بيعة العقبة الثانية. كان يجلس بين السبعين الذين يتكوّن منهم وفدهم، شاب مشرق الوجه، رائع النظرة، برّاق الثنايا.. يبهر الأبصار بهوئه وسمته. فاذا تحدّث ازدادت الأبصار انبهارا..!!
ذلك كان معاذ بن جبل رضي الله عنه.. هو اذن رجل من الأنصار، بايع يوم العقبة الثانية، فصار من السابقين الأولين. رجل له مثل اسبقيته، ومثل ايمانه ويقينه، لا يتخلف عن رسول الله في مشهد ولا في غزاة. وهكذا صنع معاذ..
على أن آلق مزاياه، وأعظم خصائصه، كان فقهه..
بلغ من الفقه والعلم المدى الذي جعله أهلا لقول الرسول عنه ما ذكرة عبد اللهبنعمرو فقال: ذاك رجل لا أزال أحبه، بعد ما سمعت رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد اللهبنمسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي ابنكعب، ومعاذبنجبل).صحيح برواية البخاريقال: لا أدريبدأ بأبي أو بمعاذ
وعندما سُئِلَ أنسبنمالك رضيالله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم منالأنصار: أبيبنكعب، ومعاذابنجبل، وزيدبنثابت،وأبو زيد.
وكان شبيه عمر بن الخطاب في استنارة عقله، وشجاعة ذكائه. سأله الرسول حين وجهه الى اليمن:
" بما تقضي يا معاذ؟"
فأجابه قائلا: " بكتاب الله"..
قال الرسول: " فان لم تجد في كتاب الله"..؟
"أقضي بسنة رسوله"..
قال الرسول: " فان لم تجد في سنة رسوله"..؟
قال معاذ:" أجتهد رأيي، ولا آلوا"..
فتهلل وجه الرسول وقال:" الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
فولاء معاذ لكتاب الله، ولسنة رسوله لا يحجب عقله عن متابعة رؤاه، ولا يحجب عن عقله تلك الحقائق الهائلة المتسرّة، التي تنتظر من يكتشفها ويواجهها.
وعن عاصم بن حميد السكوني أن معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج يوصيه ، ومعاذ راكب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته ، فلما فرغ قال : ( يا معاذ ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري ) ، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا تبك يا معاذ ، أو أن البكاء من الشيطان ) .
وعن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه ومعاذاً إلى اليمن ، قال لهما : ( يسرا ولا تعسرا ، وتطاوعا ولا تنفرا ) ، فقال له أبو موسى : إن لنا بأرضنا شراباً ، يصنع من العسل يقال له : البِتع ، ومن الشعير يقال له : المِزر ، قال : ( كل مسكر حرام ) المُسند الصحيح بتخريج الإمام مُسلم ، فقال لي معاذ : كيف تقرأ القرآن ؟ قلت : أقرأه في صلاتي ، وعلى راحلتي ، وقائماً وقاعداً ، أتفوق تفوقاً ، يعني شيئاً بعد شيء ، قال : فقال معاذ : لكني أنام ثم أقوم ، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ، قال : وكأن معاذاً فضل عليه
ولعل هذه القدرة على الاجتهاد، والشجاعة في استعمال الذكاء والعقل، هما اللتان مكنتا معاذا من ثرائه الفقهي الذي فاق به أقرانه واخوانه، صار كما وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام " أعلم الناس بالحلال والحرام" صححه العلامه الألباني في السلسله الصحيحه.
بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كعب بن مالك يقول يحزنني أني لا أرى لي أسوة. إلا رجلامغموصا عليه في النفاق. أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلىالله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال، وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعببنمالك؟" قال رجل منبني سلمة: يا رسول الله! حبسه براده والنظر في عطفيه. فقال لهمعاذبنجبل: بئس ما قلت. والله! يا رسول الله! ما علمناعليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال صلي الله عليه وسلم" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، و أشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، و أقرؤهم لكتاب الله أبيبنكعب، و أفرضهم زيدبنثابت، و أعلمهم بالحلال والحراممعاذبنجبل، ألا و إن لكل أمة أمينا، و إن أمين هذه الأمةأبو عبيدةبنالجراح".صححه العلامه الألباني علي شرط الشيخان في السلسله الصحيحه
قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم يوماً يامعاذبنجبل ! . قال: لبيكيا رسول الله وسعديك (ثلاثا) . قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدارسول الله صدقا من قلبه ؛ إلا حرمه الله على النار . قال: يا رسول الله ! أفلا أخبربه الناس فيستبشروا ؟ قال: إذا يتكلوا . وأخبر بهامعاذعند موته تأثماصححه العلامه الألباني في صحيح الترغيب.
لقيه الرسول ذات صباح فسأله:"كيف أصبحت يامعاذ"..؟؟
قال:" أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله".
قال النبي::ان لكل حق حقيقة، فما حقيقة ايمانك"..؟؟
قال معاذ:" ما أصبحت قط، الا ظننت أني لا أمسي.. ولا أمسيت مساء الا ظننت أني لا أصبح.. ولا خطوت خطوة الا ظننت أني لا أتبعها غيرها..وكأني أنظر الى كل امة جاثية تدعى الى كتابها..وكأني أرى أهل الجنة في الجنة ينعمون..وأهل النار في النار يعذبون.."
فقال له الرسول:" عرفت فالزم" صححه العلامه الألباني بروايه الإمام مُسلم..أجل لقد أسلم معاذ كل نفسه وكل مصيره لله، فلم يعد يبصر شيئا سواه..
وعن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة،نعم الرجل أسيدبنحضير، نعم الرجل ثابتبنقيسبنشماس، نعمالرجلمعاذابنعمروبنالجموح، نعم الرجلمعاذبنجبلقال: و بئس الرجل فلان و بئس الرجل فلان حتى عدسبعة )صححه العلامه الألباني في صحيح الأدب .
وعن معاذ قال : لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا معاذ ! إني لأحبك في الله ) قلت : وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله ، قال : ( أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة : رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) .
وعن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين :( عمر وعثمان وعلي ، وثلاثة من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ وزيد ) .
وروى موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال : خطب عمر الناس بالجابية فقال : من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل, وقال عمر : إن معاذاً يبعث أمام العلماء بربوة.
وان الروايات التاريخية لتصوره العقل المضيء الحازم الذي يحسن الفصل في الأمور..
فهذا عائذ الله بن عبدالله يحدثنا انه دخل المسجد يوما مع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في أول خلافة عمر..قال " فجلست مجلسا فيه بضع وثلاثون، كلهم يذكرون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحلقة شاب شديد الأدمة، حلو المنطق، وضيء، وهو أشبّ القوم سنا، فاذا اشتبه عليهم من الحديث شيء ردّوه اليه فأفتاهم، ولا يحدثهم الا حين يسألونه، ولما قضي مجلسهم دنوت منه وسالته: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا معاذ بن جبل".
وعن أبي قلابة وغيره أن فلاناً مر به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أوصوني ، فجعلوا يوصونه ، وكان معاذ بن جبل في آخر القوم ، فقال : أوصني يرحمك الله ، قال : قد أوصوك فلم يألوا ، وإن سأجمع لك أمرك : اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر ، فابدأ بنصيبك من الآخرة ، فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه ، ثم يزول معك أينما زلت .
وهذا أبو مسلم الخولاني يقول " دخلت مسجد حمص فاذا جماعة من الكهول يتوسطهم شاب برّاق الثنايا، صامت لا يتكلم.ز فاذا امترى القوم في شيء توجهوا اليه يسألونه.ز فقلت لجليس لي: من هذا..؟ قال: معاذ بن جبل.. فوقع في نفسي حبه".
وهذا شهر بن حوشب يقول " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل، نظروا اليه هيبة له"..
ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يستثيره كثيرا.. وكان يقول في بعض المواطن التي يستعين بها برأي معاذ وفقهه " لولا معاذ بن جبل لهلك عكر"..
فاذا تكلم، كان كما وصفه أحد معاصريه " كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ"..
ولقد بلغ كل هذه المنزلة في علمه، وفي اجلال المسلمين له، أيام الرسول وبعد مماته.
وكان معاذ سمح اليد، والنفس، والخلق..فلا يسأل عن شيء الا أعطاه جزلان مغتبطا..ولقد ذهب جوده وسخاؤه بكل ماله.
ومات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعاذ باليمن منذ وجهه النبي اليها يعلم المسلمين ويفقههم في الدين..وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ من اليمن، وكان عمر قد علم أن معاذا أثرى.. فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله..!
ولم ينتظر عمر، بل نهض مسرعا الى دار معاذ وألقى عليه مقالته..
كان معاذ ظاهر الكف، طاهر الذمة، ولئن كان قد أثري، فانه لم يكتسب اثما، ولم يقترف شبهة، ومن ثم فقد رفض عرض عمر، وناقشه رأيه..وتركه عمر وانصرف..
وفي الغداة، كان معاذ يطوي الأرض حثيثا شطر دار عمر.. ولا يكاد يلقاه.. حتى يعنقه ودموعه تسبق كلماته وتقول " لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حومة ماء، أخشى على نفسي الغرق.. حتى جئت وخلصتني يا عمر"..
وذهبا معا الى أبي بكر.. وطلب اليه معاذ أن يشاطره ماله، فقال أبو بكر:" لا آخذ منك شيئا"..
فنظر عمر الى معاذ وقال:" الآن حلّ وطاب"..
ما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحدا، لو علم أنه أخذه بغير حق.. وما كان عمر متجنيا على معاذ بتهمة أو ظن..وانما هو عصر المثل كان يزخر بقوم يتسابقون الى ذرى الكمال الميسور، فمنهم الطائر المحلق، ومنهم المهرول، ومنهم المقتصد.. ولكنهم جميعا في قافلة الخير سائرون.
ويهاجر معاذ الى الشام، حيث يعيش بين أهلها والوافدين عليها معلما وفقيها، فاذا مات أميرها أبو عبيدة الذي كان الصديق الحميم لمعاذ، استخلفه أمير المؤمنين عمر على الشام، ولا يمضي عليه في الامارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه مخبتا منيبا..
وكان عمر رضي الله عنه يقول " لو استخلفت معاذ بن جبل، فسألني ربي: لماذا استخلفته؟ لقلت: سمعن نبيك يقول: ان العلماء اذا حضروا ربهم عز وجل ، كان معاذ بين أيديهم"..
والاستخلاف الذي يعنيه عمر هنا، هو الاستخلاف على المسلمين جميعا، لا على بلد أو ولاية..
فلقد سئل عمر قبل موته: لو عهدت الينا..؟ أي اختر خليفتك بنفسك وبايعناك عليه..
لإاجاب قائلا " لو كان معاذ بن جبل حيا، ووليته ثم قدمت على ربي عز وجل، فسألني: من ولّيت على أمة محمد، لقلت: ولّيت عليهم معاذ بن جبل، بعد أن سمعت النبي يقول: معاذ بن جبل امام العلماء يوم القيامة".
ولقد أجاد ابن مسعود وصفه حين قال:"ان معاذا كان أمّة، قانتا لله حنيفا، ولقد كنا نشبّه معاذا بابراهيم عليه السلام"..
وكان يدعو الناس الى التماس العلم الصحيح النافع ويقول:
" احذروا زيغ الحكيم.. وارفوا الحق بالحق، فان الحق نورا"..!!
وكان يرى العبادة قصدا، وعدلا..قال له يوما أحد المسلمين: علمني.
قال معاذ: وهل أنت مطيعي اذا علمتك..؟
قال الرجل: اني على طاعتك لحريص..
فقال له معاذ:" صم وافطر..وصلّ ونم..واكتسب ولا تأثم.ولا تموتنّ الا مسلما..واياك ودعوة المظلوم"..